الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
245
مختصر الامثل
الفناء » ؟ قالوا : بلى . قال : « ألستم تعلمون أنّ ربّنا قيّم على كل شيء ويحفظه ويرزقه » ؟ قالوا : بلى . قال : « فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً » ؟ قالوا : لا . قال : « ألستم تعلمون أنّ اللَّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء » ؟ قالوا : بلى . قال : « فهل يعلم عيسى من ذلك إلّاما علم » ؟ قالوا : لا . قال : « فإنّ ربّنا صَوّر عيسى في الرحم كيف شاء وربّنا لا يأكل ولا يشرب ولا يُحدث » . قالوا : بلى . قال : « ألستم تعلمون أنّ عيسى حملته امّه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غُذِي كما يُغذى الصبي ، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث » ؟ قالوا : بلى . قال : « فكيف يكون هذا كما زعمتم » ؟ فسكتوا ، فأنزل اللَّه فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية . التّفسير فيما يتعلق بالحروف المقطعة في القرآن ، سبق الحديث عنها في بداية سورة البقرة فلا موجب لتكرار ذلك . في الآية الثانية يقول تعالى : « اللَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ » . سبق أنّ شرحنا هذه الآية في الآية ( 255 ) من سورة البقرة . الآية التي تليها تخاطب نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وتقول : إنّ اللَّه تعالى قد أنزل عليك القرآن الذي فيه دلائل الحق والحقيقة ، وهو يتطابق تماماً مع ما جاء به الأنبياء والكتب السابقة ( التوراة والإنجيل ) التي بشّرت به وقد أنزلها اللَّه تعالى أيضاً لهداية البشر : « نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَيةَ وَالْإِنجِيلَ » « 1 » . ثم تضيف الآية : « مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ » . وبعد إتمام الحجة بنزول الآيات الكريمة من اللَّه تعالى وشهادة الفطرة والعقل على صدق دعوة الأنبياء ، فلا سبيل للمخالفين سوى العقوبة ، ولذلك تقول الآية محل البحث بعد ذكر حقانية الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله والقرآن المجيد : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَايَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ » . ومن أجل أن لا يتوهّم أحد أو يشك في قدرة اللَّه تعالى على تنفيذ تهديداته تضيف الآية : « وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ » . « عزيز » : في اللغة بمعنى كل شيء صعب وغير قابل للنفوذ ، ولذلك يقال للأرض الصعبة العبور ( عزاز ) وكذلك يطلق على كل أمر يصعب الحصول عليه لقلّته وندرته ( عزيز ) وكذلك تطلق هذه الكلمة على الشخص القوي والمقتدر الذي يصعب التغلّب عليه أو
--> ( 1 ) « الحق » : هو الموضوع الثابت المكين الذي لا باطل فيه .